21يناير

بين التعليم والممارسةكيف نختار الكفاءة المناسبة 

 

عند اتخاذ قرار التوظيف، يتكرر السؤال الذي يثير الجدل بين أصحاب القرار: 
هل الأسبقية تُمنح لصاحب الخلفية الأكاديمية القوية، أم لمن حصل خبرة مهنية عميقة؟ 
الإجابة ليست واحدة، لأن المفاضلة لا تبنى على المؤهل وحده، بل على مدى توافقه مع مستوى الدور وطبيعته ومسؤولياته الفعلية. 

 

من تجربة واقعية 

في أحد المشاريع الاستشارية التي عملنا عليها في ذا بروفيشنالز، كان أحد العملاء يبحث عن قائد لإدارة قسم متخصص، واشترط أن يكون المرشح من خلفية أكاديمية محددة بدقة. 
لكن أثناء تحليل السوق، اتضح أن معظم خريجي هذا التخصص حديثو عهد بالعمل، ولا يمتلكون بعد الخبرة التي تمكّنهم من قيادة فريق أو اتخاذ قرارات تشغيلية حاسمة 

 

أمام هذا التحدي، طرح سؤال محوري: 

هل الأجدر الالتزام بالشرط الأكاديمي أم البحث عن شخص أثبت كفاءته من خلال التجربة العملية؟ 

بعد دراسة متطلبات الدور القيادي، قررنا ترشيح مرشح بخبرة مهنية واسعة، رغم أن تخصصه الأكاديمي لا يتطابق مع المجال المطلوب. 

خلال المقابلات، قدم هذا المرشح قدرة لافتة على الربط بين خبراته السابقة وطبيعة الدور الجديد، وأثبت فهمه العميق لبيئة العمل والتحديات التشغيلية. 

تم اختياره للمنصب، وحقق خلال فترة وجيزة نتائج ملموسة تجاوزت التوقعات. 

كانت هذه التجربة مثالا واضحا على أن الممارسة العملية، حين تتقاطع مع النضج الإداري، تتفوق على الانسجام النظري بين التخصص والمنصب. 

 

المستوى الوظيفي هو الفيصل 

الخلفية الأكاديمية والخبرة العملية ليستا طرفين متقابلين، بل مكملين لبعضهما، لكن الوزن النسبي لكل جانب يتغير حسب مستوى الوظيفة. 

 

الأدوار القيادية والإدارية 

ترتكز على الخبرة العملية، لأن متطلبات هذه المناصب تتعلق بالقدرة على اتخاذ القرار، وإدارة المواقف، وفهم العلاقات التنظيمية. 

حيث تشير دراسة لـHarvard Business Review (2022)  إلى أن أكثر من 70% من القيادات التنفيذية تم اختيارهم بناء على إنجازاتهم الميدانية ومهاراتهم القيادية، وليس على تخصصهم الجامعي. 
الخبرة هنا ليست مجرد سنوات عمل، بل سجل من القرارات التي صنعت نتائج. 

 

الأدوار المبتدئة والتنفيذية 

تميل المؤسسات إلى ترجيح الخلفية الأكاديمية، لأنها تمثل مؤشرا على القدرة التحليلية والاستعداد للتعلم. 
كما أن أصحاب المؤهلات الحديثة غالبا ما يمتازون بالمرونة وسرعة التكيف مع ثقافة الجهة. 
بحسب World Economic Forum (2023)، لا تزال الشهادة الأكاديمية من أبرز مؤشرات “القدرة على التعلم المستمر”، خصوصا في المجالات التقنية والتحليلية. 

 

الخبرة والتعليم: علاقة تكامل لا تنافس 

التوظيف الذكي لا يقوم على المفاضلة بين الشهادة والخبرة، بل على القدرة على قراءة المنصب بعمق. 
ففي بعض الحالات، قد تصنع الشهادة المسار، وفي حالات أخرى، تصنع الخبرة الأثر. 
النجاح لا يتحقق بالمعرفة النظرية وحدها، ولا بالممارسة المجردة، بل بالقدرة على تحويل المعرفة إلى فعل فعال. 

تؤكدSociety for Human Resource Management (2024)  أن الكفاءة في المناصب العليا أصبحت تقاس بقدرتين أساسيتين: 

1) المرونة في مواجهة المواقف المعقدة  (Adaptive Competence)  

2) الاستفادة من التجارب السابقة وتطبيقها بوعي (Learning Agility)  

 
هاتان القدرتان تنموان مع تراكم الخبرة، ولا يمكن أن تبنى على التعليم فقط. 

 

خلاصة 

الاختيار الأمثل لا يتعلق بـ ” من يحمل شهادة أعلى”  أو من لديه خبرة أطول” ، بل بـ من يفهم الدور بعمق ويملك أدوات إنجازه. 

في المستويات العليا، التجربة تتقدم، وفي المراحل الأولى، التعليم يفتح الطريقأما في الحالتين، فالقيمة الحقيقية تظهر عندما يتحول الفهم إلى أثر ملموس داخل المنظمة. 

 

 

عبدالله الضفيان  

شريك في  شركة ذا بروفيشنالز